أيرحمك مما به يرحمك
ليس منا من لم يتعرض للأبتلاء , بل والأبتلاءات بصورها المتعدده وخاصة المؤمن , الذي هو عرضه للأبتلاء بصفه خاصه حيث أن إيمانه لا بد وأن يختبر. قال الله عز وجل: "أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ" (سوره 29- آيه 2-3)
إذا فالفتنه وهي أبتلاء لابد حادث لكل مؤمن ومؤمنه. والأبتلاء خير للمؤمن إن قابله الأنسان بالصبر والأنابه لله العلى العظيم فيحط الله به من زنوب عبده المؤمن فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن وأذى ولا غم حتى الشوكه يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه" (بخاري-مرضى-1 & مسلم-بر-52 & ترمذي-جنائز-1 & أحمد-2-335)
وقال عليه الصلاة والسلام: "عجبت من قضاء الله عز وجل للمؤمن , إن أصابه حمد ربه وشكر , وإن أصابته مصيبه حمد ربه وصبر. المؤمن يؤجر في كل شيء حتى في اللقمه الى في أمرأته". (أحمد-1- 173,177,182 3-117,184)
فالأبتلاءات إذا صبر العبد المسلم عليها فهي مغفرة للزنوب وزيادة في الأجر وطهارة للنفس ورحمة من الله رب العالمين.
لكن الله سبحانه وتعالى خلق الأنسان ضعيفا فقد قال عز من قائل: "يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا" النساء 28
كما إن الأنسان سريع الخوف والهلع إذا أصابه مكروه , بل أنه قد يظن أن الله ليس بكاشف الضر عنه فهو سريع اليأس والقنوط وقد قال الله عز وجل فيه: "إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا" (سوره 70 آيه 19-21)
وقد صبر الأنبياء والمرسلين على الأبتلاءات لعلمهم أنها كلها من الله عز وجل. فها هو نوح عليه السلام يصنع السفينه في الصحراء وقومه يسخرون ويستهزؤن منه ويصبر ويحتسب. كما أنه يرى أبنه يغرق في ماء الطوفان ولا يستطيع أنقاذه ويصبر ويحتسب.
وها هو أبراهيم عليه السلام يؤمر بأن يترك زوجته هاجر وأبنه الرضيع الوحيد أسماعيل في الصحراء في مكان قاحل ليس به ماء ولا زرع ويطيع الأمر ويصبر.
وها هو يأمره ربه عز وجل بأن يذبح أبنه الوحيد أسماعيل لما شب وبلغ معه السعي بيطيع الأمر لولا أن فداه ربه بكبش.
وها هو أيوب عليه السلام يعانى من المرض أربعين عاما ويستحي أن يسأل ربه الشفاء لما أنعم عليه من قبل مرضه من الصحه والمال , فيصبر ويشفيه الله رب العالمين.
وها هو موسى عليه السلام يبتلى في مصر قبل بعثه نبيا , فيخرج من مصر هاربا. ثم يعود الى مصر يعانى من أضطهاد فرعون فيصبر. ثم يخرج من مصر ببنى أسرائيل ويعاني من جحودهم وعصيانهم وعبادتهم العجل الذهبي فيصبر حتى يلقى الله عز وجل.
وها هو محمد عليه الصلاة والسلام يبتلى من قومه الذي كذبوه وأضطهدوه حتى فر هاربا من مكه الى المدينه المنوره. وكان قد أبتلى بوفاة زوجته وسنده خديجه رضي الله عنها. كما أبتليى صلى الله عليه وسلم بوفاة سته من أبناءه وبناته السبعه في حياته.
وها هو سيد الخلق صلى الله عليه وسلم يخرج الى الطائف ليدعوهم الى الأسلام في فيهزأوا به ويرمونه بالحجارة حتى قال دعاءه الشهير الذي قال فيه: "إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي". فأنه محتمل للأبتلاءات ما دامت ليست نتيجه غضب الله عز وجل عليه ولم يتعوز من الأبتلاءات ولكن من غضب الله عز وجل.
والناس يبتلون على قدر أيمانهم فأشدهم أبتلاء الأنبياء. سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أي الناس أشد بلاء؟" قال عليه الصلاة والسلام: "ألأنبياء ثم الأمثل فألامثل , فيبتلى الرجل على حسب دينه , فإن كان دينه صلبا أشتد بلاءه وإن كان في دينه رقه أبتلى على حسب دينه , فما يبرح العبد بالبلاء حتى يتركه يمشى على الأرض ما عليه خطيئه". (ترمذي-زهد-57 & بخارى- مرضى- 3 & ماجه-فتن – 23)
وليس للعباد صبر الأنبياء ولا علمهم بالله عز وجل ولا حكمتهم , فسرعان يا يقنط العبد من الأبتلاء وييأس وسرعان ما يسِأل الله عز وجل ويتضرع أليه أن يرفع عنه الأبتلاء , بينما أرسل الله عز وجل هذا الأبتلاء رحمة به وتكفيرا لذنوبه.
فالعبد إنما يسأل ربه أن يرحمه , مما به يرحمه.
اللهم رضينا بقضاءك ولكن عافيتك أوسع لنا.
والحمد لله رب العالمين
آمين.
د.أحمد سعفان